إسمحوا لي في البداية ان اتحدث باختصار عن الكاتب هادي زاهر الذي بدأ الكتابة منذ سنوات عديدة، وكأحد ابناء هذا الشعب، جرّب الكاتب شقاء العامل الكادح، واختبر هموم التاجر، عانى من الاحوال الاقتصادية، من الضرائب والديون، وانضم سياسيا الى الجبهة، فكان وما زال مؤمنا بقضايا شعبه، مطالبا بحقوقه القومية والمدنية.
كل هذه التجارب الحياتية الاجتماعية الاقتصادية والسياسية، تفتّقت عن قريحة خصبة، وموهبة اصيلة، فبدأ الكتابة المسرحية حيث اصدر مسرحية "الفخ"، ثم توجه الكاتب للصحافة حيث نشر مقالاته في زوايا خاصة في الصحف المحلية، منها صحيفة "الحديث" المتوقفة والتي اصدرتها لمدة همس سنوات، كان الاخ هادي زاهر ساعدي الايمن في تحريرها والكتابة فيها، فلاقت كتاباته الاستحسان واثارت ردود فعل كثيرة.
الكاتب هادي زاهر كانسان يتحلى بصفات وميزات عديدة وهامة، منها المثابرة، التفاؤل وعدم اليأس، الايمان بعدالة قضايا شعبه، واخيرا التواضع، فهو كما يقال من الشعب والى الشعب. هذه الميزة جعلته يستشير الصغير والكبير في كتاباته قبل ان ينشرها، ويطلب رأي القراء فيها، ويؤكد على انه لا يريد المديح او التملق، بل يريد ان يسمع الملاحظات السلبية كي يستفيد منها، فيأخذ او يتبنى الناحية الايجابية البناءة لهذه الملاحظات، ويطور اسلوبه ومواضيعه، وهكذا ربحنا كاتبا كالصياد الماهر، يقتنص المواضيع التي تهم القارئ والمواطن بذكاء، فتكون كتاباته كعملية تشخيص دقيقة، توجع لكنها تكشف المرض، على امل ان تؤدي الى العلاج الشافي.
اما كتاب "القاتل المجهول" وهو المجموعة القصصية الاولى للكاتب، فيحتاج الى دراسة متأنية.
وبملاحظة عابرة اقول: ان ادبنا العربي المحلي مظلوم من هذه الناحية لان النقاد او الدارسين يميلون عادة الى دراسة الاعمال المشهورة لكتاب مشهورين، وهذا الميل يظلم العديد من الادباء الذين يقدمون اعمالا جديرة بالاهتمام والدراسة فتبقى منسية مهملة رغم اصالتها ومستواها العالي.
وعودة الى "القاتل المجهول"، اشير انني لا اقدم في هذا المقام دراسة شاملة انما بعض الملاحظات النقدية التي لم يتناولها الزملاء في مقالاتهم حول الكتاب.
اولا: الاسم يوحي لنا بوجود او حدوث جريمة. واستعمال الكاتب للجملة الاسمية الناقصة، تثير لدى القارئ التساؤل وحب الاستطلاع، فقد جاء الكاتب بعنوان كتابه بمبتدأ منعوت، ونحن نعرف ان المبتدأ يحتاج الى خبر، لكن الكاتب فضّل الاستغناء عن الخبر ليخلق في مخيلة القارئ امتدادا لعدة امكانيات متنوعة حسب ميل القارئ، فهمه، ذوقه او تفكيره، ولكن الاسم وحده يوحي لنا بأن القصص بوليسية، فثمة جريمة في الموضوع وثمة قتل، لكن بقراءتنا للقصص سنكتشف غير ذلك كما سيأتي لاحقا.
اذن فاختيار الكاتب للعنوان كان موفقا، حيث استعمله كأول اداة في عنصر التشويق الذي اجاده الكاتب في قصصه.
بماذا تشبه قصص "القاتل المجهول" القصص البوليسية وبماذا تختلف عنها؟
فلنبدأ بنقاط الالتقاء والتشابه.
اولا: قصص "القاتل المجهول" كالقصص البوليسية تعتمد عنصر التشويق كعنصر اساسي.
ثانيا: انها تستعمل اللغة البسيطة الوسطى بين اللغة المرتفعة وبين اللغة المنخفضة وقد عرّف الدكتور محمود غنايم مستويات اللغة في كتابه "في مبنى النص" قائلا: لغة الادب الحديث لغة ذات مستويات، اكثرها ارتفاعا اللغة الفصيحة الكلاسيكية، واكثرها انخفاضا اللغة العامية. فكلما اقتربت اللغة في مفرداتها وتعابيرها، دلالة الفاظها او مبنى جملها من لغة المصادر القديمة كانت مرتفعة، وكلما اقتربت من اللغة العامية بتعابيرها المختلفة كانت منخفضة. (محمود غنايم، "في مبنى النص" المثلث جت – اليسار 1987 (ص 18)).
في هذا الموضوع اريد الاشارة الخاطفة انه حسب رأيي ليس على الكاتب ان يكون خبيرا لغويا، فمثلما لا نطلب من كل خبير لغوي ان يكون كاتبا يجب الا نشترط على الاديب ان يكون خبيرا لغويا! انما يجب ان يكون ملما بادواته اللغوية الاساسية العامة متمكنا من اسس الكتابة الرئيسة، مطّلعا على تراثه الادبي. فاذا اجتمعت في الكاتب الموهبة الابداعية والقدرة اللغوية استطاع ان يستفيد اكثر وبقدر تمكنه من الصفتين بقدر ما يرتفع بانتاجه الى مستويات ارفع.
واعتقد ان استعمال الكاتب للغة الوسطى في هذه الحالة كان ناجحا موفقا اذ قرّبه اكثر من القراء العاديين ومن عامة الشعب، فنحن نعرف ان بعض الاعمال الادبية رغم مستواها العالي لغويا وفنيا تجلس على الرفوف مجهولة من قبل معظم الناس. وحول هذا الموضوع ثمة جدال منذ القدم حين قيل لأبي تمام لماذا تكتب ما لا يُفهم؟ فأجاب: لماذا لا تفهمون ما أكتب؟ والسؤال الذي يُطرح ماذا ينفعنا ادب منسيّ على رفوف المكتبات.
ثالثا: يعتمد الكاتب اسلوب السرد احيانا، والحوار احيانا اخرى. ويمكن في مجال آخر دراسة العلاقة بين الحوار والسرد في هذا الكتاب.
بماذا تختلف قصص "القاتل المجهول" عن القصص البوليسية؟
انها تختلف عنها في عدة امور






















